ابن قيم الجوزية
294
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وقوله : فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، صريح في أنه سبحانه هو الذي يصرف عبده عن فعله الاختياري ، إذا شاء صرفه عنه ، كما قال تعالى في حق يوسف الصديق كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ( 24 ) [ يوسف ] وصرف السوء والفحشاء هو صرف دواعي القلب وميله إليهما ، فينصرفان عنه بصرف دواعيهما . وقوله : وأقدر لي الخير حيث كان ، يعم الخير المقدور للعبد من طاعته وغير المقدور له ، فعلم أن فعل العبد للطاعة والخير أمر مقدور للّه ، إن لم يقدره اللّه لعبده ، لم يقع من العبد . ففي هذا الحديث الشفاء في مسألة القدر ، وأمر النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم الداعي به أن يقدّم بين يدي هذا الدعاء ركعتين عبودية منه بين يدي نجواه ، وأن يكونا من غير الفريضة ، ليتجرّد فعلهما لهذا الغرض المطلوب ، ولما كان الفعل الاختياري متوقفا على العلم والقدرة والإرادة ، لا يحصل إلا بها ، توسّل الداعي إلى اللّه بعلمه وقدرته وإرادته التي يؤتيه بها من فضله ، وأكد هذا المعنى بتجرده وبراءته من ذلك ، فقال : إنك تعلم ولا أعلم ، وتقدر ولا أقدر . وأمر الداعي أن يعلّق التيسير بالخير ، والصرف بالشر ، وهو علم اللّه سبحانه تحقيقا للتفويض إليه واعترافا بجهل العبد بعواقب الأمور ، كما اعترف بعجزه ، ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية حقها وإعطاء الربوبية حقها ، وباللّه المستعان . وفي الترمذي « 1 » وغيره من حديث الحسن بن علي قال : علّمني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر : « اللّهمّ اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولّني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شرّ ما
--> ( 1 ) الترمذي ( 464 ) وهو صحيح من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب .